أحمد بن يحيى العمري
54
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
كمال الصنعة بأفصح لسان ، مشتملة على غرائب الإحسان ؛ أنفس مدخر ، وأغرب موشى ، وأفخر مركوب ، وأطرف محبوب ، وأعجز موجود ، وأبهر محدود ؛ كأنما وسمها الكمال بنهايته ، أو لحظها الفلك بعنايته ، فصاغها من ليله ونهاره ، وحلّاها بنجومه وأقماره ، ونقشها ببدائع آثاره ، ووشّى روضها بيانع أزهاره ، ورمقها بنواظر سعوده ، وجعلها بالكمال أحد حدوده ؛ جامعة شتيتها بالقسمة والترتيب ، بين زمني الشبيبة والمشيب ؛ قيد الأبصار ، وأمد الأفكار ، ونهاية الاعتبار ، بستان بسرج ، وروضة بمرج ، منزه على الحليّ عطلها ، مزريّة بالزهر حللها ؛ حدّ جنسها وعالم نفسها ؛ صنعة المنشئ الحكيم ، وتقدير العزيز العليم ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 1 » . ومن قوله قرين أسطرلاب أهداه : أجلّ الهدايا - يا سيدي أطال الله بقاءك - موضعا ، وألطفها من الملاطف موقعا ، ما لاءم الاختيار ، ووافق الإيثار ، وكان العقل أخص بفائدته ، والفهم أحظى بيمن عائدته ؛ ولما كنت - أيدك الله - ممن لا يتوصل المتوصل إليه إلا بما تنصف « 2 » العادة الحكمة عليه ؛ آثرتك - وفقك الله - ببرهان الحكمة ونسبها ، ومدار الفلسفة وقطبها ، ومرشد الفكر ومناره ، وميزان الحسن ومعياره ، ونافي الشك ومزيله ، وشاهد العالم ودليله ، ومصور الهندسة وممثلها ، ومقسم البروج ومعدّلها ، وموقف النّجوم ومثيرها ، وجامع الأقاليم ومديرها ؛ مرآة الحبك ، وصورة الفلك ، وأمين الكواكب ، وحدّ المشارق والمغارب ؛ مما اخترعت العقول تسطيحه ، وأتقن الحساب تصحيحه ، وتمارت الفطن في ترتيبه ، واصطلحت الحكماء على تركيبه ، فأوضحت باليقين تقسيمه ، وأبانت بالكتابة قلمه ورسومه ، إلى أن
--> ( 1 ) سورة المؤمنون : 14 . ( 2 ) في الأصل ينفق .